أحمد بن يحيى العمري

68

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

المعتكر « 1 » طرقا ؛ كاد يلتهب فكره ذكاءا ، وينتهب ذكره ذكاءا « 2 » ، كأنما كلمه حبر أو لفظه زبر ؛ سجعه قصير ، ونفعه كبير ، من سمع حسّانه تبع إحسانه ، ومن فهم بيانه ، علم أن فوق السّحاب بنانه ؛ وربما كاد يحكيه لو وهب ، لو كان - كما قال - طلق المحيا يمطر الذّهب « 3 » ؛ نافح الرّياض فأخذ أنفاسها ، وسافح السحائب فنثر أكياسها ، بزّ الكواكب ولبس لباسها ، وبذّ المدام وسلب الحميّا كأسها ، فجاء بسحر عظيم إلّا أنه حلال ، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم وفيها الخلال ؛ ووراءه جرى الحريريّ لكنّه نقّح ، على أنه مما ترك البديع ولقح . وذكر البديع أبو منصور الثعالبي ، فقال : هو أبو الفضل ، أحمد بن الحسين الهمذاني مفخر همذان « 4 » ، ونادرة الفلك وبكر عطارد ، وفرد الدّهر ، وغرة العصر ، ومن لم يلف « 5 » نظيره في ذكاء القريحة ، وسرعة الخاطر ، وشرف الطّبع ، وصفاء الذهن ، وقوة النفس ، ولم يدرك قرينه في ظرف النّثر وملحه ، وغرر النظم ونكته ، ولم يرو أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسرّه ، وجاء بمثل إعجازه وسحره ؛ فإنه كان صاحب عجائب وبدائع ؛ فمنها : أنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قطّ ، وهي أكثر من خمسين بيتا ، فيحفظها كلّها ، ويوردها إلى آخرها ، لا يخرم حرفا منها [ ولا يخلّ بمعنى ] ، وينظر في الأربع والخمس الأوراق ، من كتاب لم يعرفه ولم يره إلا نظرة واحدة خفيفة ، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذا ، ويسردها سردا .

--> ( 1 ) في الأصل : المعيكر . واعتكر : اختلط واشتجر . ( القاموس ) . ( 2 ) من قولهم : ذكا المسك ذكاء . ( أساس البلاغة ) . ( 3 ) من قول البديع نفسه : [ ديوانه 34 ] وكاد يحكيك صوب الغيث منكسبا * لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا ( 4 ) في اليتيمة : معجزة همذان . ( 5 ) في الأصل : لم يكف ! وفي اليتيمة : لم يلق . تصحيف .